لماذا نشعر أحيانًا بالذنب أو أننا لا نستحق الاستمتاع؟
لماذا نشعر أحيانًا بالذنب أو أننا لا نستحق الاستمتاع؟
هل سبق وأن كنت تستمتع بلحظة لطيفة – سواء بمشاهدة فيلم، أو في نزهة مع أصدقائك، أو حتى بتناول وجبة تحبها – ثم باغتتك فجأة فكرة مزعجة: “هل أستحق هذا؟” أو حتى “ربما ما أفعله خطأ.”
هذا الشعور ليس نادرًا، بل هو جزء مما يسميه علماء النفس: الذنب المرتبط بالمتعة، وهو شعور داخلي يجعل بعض الناس غير قادرين على تقبّل الراحة أو السعادة دون شعور بأن هناك شيئًا “خاطئًا” في ذلك. ويحدث هذا التوتر النفسي غالبًا نتيجة أنظمة عقلية مكتسبة منذ الصغر، وتُغذى لاحقًا من خلال الثقافة، والدين، وتجارب الحياة.
في هذا المقال، نستعرض الأسباب النفسية لهذا الشعور، ونقدم خطوات عملية وعلمية للتعامل معه.
الأسباب النفسية للشعور بالذنب أثناء الاستمتاع
1. البرمجة المبكرة والمعتقدات الثقافية أو الدينية
غالبًا ما ترجع جذور هذا الشعور إلى الطفولة أو التربية الصارمة، حيث تم ربط المتعة أو الراحة بالكسل أو الذنب. بعض العبارات التي تُغرس فينا منذ الصغر، مثل:
- “اللعب بعد الدراسة، مش قبلها.”
- “لا تضحك كثيرًا، الله يستر.”
- “الفراغ مفسدة.”
- “الضحك بلا سبب من قلة الأدب”
تُبرمج الدماغ على أن المتعة أمر يجب الحذر منه، أو أنها شيء لا يُمنح إلا كمكافأة مشروطة.
الأديان والثقافات المختلفة قد تعزز هذه النظرة – ليس بقصد قمع المتعة، بل بهدف تعزيز الانضباط – لكن النتيجة في بعض الأحيان تكون شعورًا بالخجل من الفرح.
دراسة مرجعية: دراسة لـ Dweck وKamins (1999) أظهرت أن الأطفال الذين تلقّوا مديحًا لشخصيتهم بدلاً من جهودهم أصبحوا أكثر عرضة للذنب عند الفشل، مما يعني أنهم تعلموا ربط قيمتهم الذاتية بالإنجازات.
2. الناقد الداخلي: العدو الهادئ
الناقد الداخلي هو صوت داخلي يرافق الإنسان ويقيّمه باستمرار. في الحالات الصحية، يساعد على التقييم الذاتي والتطور. لكن في حال اختلال التوازن، يتحول إلى نقد هدام يجعل الإنسان يجلد نفسه باستمرار.
من مظاهر الناقد الداخلي:
- “أنت ما أنجزت اليوم، كيف ترتاح؟”
- “أكيد في شي غلط، ليش الأمور ماشية بسهولة؟”
- “في غيرك بيشتغل، وانت تضحك؟”
هذا الصوت يتغذى غالبًا من خبرات الطفولة أو تجارب سابقة مع العقاب أو التقييم القاسي. ويزداد قوة في بيئات تنافسية أو مثالية مفرطة.
معلومة مهمة: Kristin Neff، الرائدة في أبحاث التعاطف الذاتي، أكدت في دراساتها (2011) أن النقد الذاتي يرفع من إفراز هرمون الكورتيزول، مما يجعل الجسم في حالة ضغط مزمن، ويحول لحظات المتعة إلى لحظات توتر لا واعي.
3. انخفاض تقدير الذات
الأشخاص الذين يعانون من تدنٍ في تقدير الذات لا يرون أنفسهم مستحقين للسعادة بسهولة. تتكون لديهم قناعة داخلية أن “القيمة” تُكتسب من خلال الإنجاز فقط. لذا، إذا شعروا بالراحة دون “سبب كافٍ”، يظهر صوت داخلي يقول:
- “ما سويت شيء اليوم، ما تستحق ترتاح.”
- “في ناس تعبانة أكثر منك، لا تتمادى.”
- “مين قال إن السعادة لك؟”
هذا ما يُعرف في علم النفس بمفهوم تقدير الذات المشروط (Contingent Self-Worth)، كما فصّلته Jennifer Crocker في دراساتها (2001، 2004). وتُظهر الأبحاث أن هذا النمط يجعل الإنسان أكثر عرضة للقلق والاكتئاب، ويمنعه من الاستمتاع الصادق بلحظات الحياة.
4. القلق المزمن والخوف من الاستقرار
القلق لا يظهر فقط في مواقف الخطر، بل يظهر أيضًا عند بعض الأشخاص في لحظات الفرح. هؤلاء الأشخاص تعوّدوا على أن السعادة يُتبعها فقد، أو أن “الأشياء الجيدة لا تدوم”.
علامات هذا النوع:
- الخوف من أن اللحظة الجميلة ستنتهي فجأة.
- الشعور بالذنب لأنك تظن أن “الراحة الآن تعني مشكلة لاحقة.”
- الحاجة للبحث عن شيء يُقلقك حتى وأنت سعيد.
هذا ما تصفه الباحثة Brené Brown بمصطلح “السعادة المشوبة بالخوف” (foreboding joy)، وهي حالة شائعة عند من نشأوا في بيئات مليئة بالتقلبات العاطفية أو الصدمات.
تمارين عملية للتغلب على الشعور بالذنب أثناء الاستمتاع
1. تحقق الواقع (Reality Check)
عندما تشعر أنك لا تستحق المتعة:
- اكتب مشاعرك.
- اسأل: ما الدليل الواقعي على أني لا أستحق الاستمتاع؟
- تخيّل أن صديقك مكانك، ماذا كنت ستقول له؟
هذا التمرين مأخوذ من تقنيات العلاج السلوكي المعرفي (CBT)، ويهدف إلى إضعاف سلطة الأفكار اللاواقعية واستبدالها بأخرى عقلانية.
2. العبارات المضادة للناقد الداخلي
هي جمل قصيرة تساعدك على الرد على صوت جلد الذات. بعض الأمثلة:
- “أنا أستحق الراحة، دون شروط.”
- “الفرح مش رفاهية، بل ضرورة.”
- “أنا لا أحتاج إذنًا لأستمتع.”
كرّرها بصوت داخلي أو خارجي عند الحاجة، واكتبها في أماكن تراها باستمرار.
3. تمرين الامتنان والتنفس (3 دقائق)
- اجلس في مكان هادئ.
- خذ 5 أنفاس عميقة وبطيئة.
- فكّر في 3 أشياء تشعر بالامتنان لها الآن.
- اسأل نفسك: هل أنا في خطر الآن؟ هل أستطيع أن أعيش هذه اللحظة؟
هذا التمرين يساعد في تهدئة الجهاز العصبي وتقوية الاتصال بالحاضر.
4. تصريح بالسماح
اكتب لنفسك نصًا بسيطًا:
“أُعطي لنفسي الإذن بأن أستمتع، وأرتاح، وأفرح، دون أن أحتاج تبرير ذلك.”
الكتابة تُحوّل هذا الإذن إلى إعلان واعٍ يُخفف من وطأة الذنب المتراكم.
5. استبدال المعتقد القديم
- ما الفكرة التي تؤمن بها عن السعادة؟
- من أين جاءت؟
- هل لا تزال صالحة اليوم؟
- ما الفكرة الجديدة التي تختار تبنيها؟
مثال:
- القديم: “السعادة تسبقها تضحية.”
- الجديد: “السعادة ليست ثمنًا، بل حاجة إنسانية.”
مع التكرار، يُصبح المعتقد الجديد جزءًا من نظامك النفسي.
الخلاصة
إذا شعرت يومًا أنك لا تستحق المتعة، فتذكر: هذا الشعور ليس ضعفًا فيك، بل أثر قديم لأفكار ومعتقدات لا تنتمي للحاضر. المتعة ليست مضيعة، بل وسيلة لإعادة التوازن.
السماح لنفسك بالاستمتاع هو شجاعة نفسية. وكل مرة تتقبّل فيها لحظة جميلة دون خوف أو ذنب، فأنت تعيد بناء علاقتك مع ذاتك.
المراجع:
- Brown, Brené. Daring Greatly: How the Courage to Be Vulnerable Transforms the Way We Live, Love, Parent, and Lead. Gotham Books, 2012.
- Crocker, Jennifer, and Lora E. Park. “The Costly Pursuit of Self-Esteem.” Psychological Bulletin, vol. 130, no. 3, 2004, pp. 392–414.
- Crocker, Jennifer, and Christy J. Wolfe. “Contingencies of Self-Worth.” Psychological Review, vol. 108, no. 3, 2001, pp. 593–623.
- Kamins, Melissa L., and Carol S. Dweck. “Person versus process praise and criticism: Implications for contingent self-worth and coping.” Developmental Psychology, vol. 35, no. 3, 1999, pp. 835–847.
- Neff, Kristin. Self-Compassion: The Proven Power of Being Kind to Yourself. William Morrow, 2011.
- Seligman, Martin E.P. Authentic Happiness. Free Press, 2002.
